تعيش في أمعائنا تريليونات من الكائنات الدقيقة، وفي مقدمتها البكتيريا، ويُطلق على هذا المجتمع اسم الميكروبيوم المعوي. ولا تقتصر وظيفة هذه الكائنات على المساعدة في الهضم، بل تشارك أيضًا في تنظيم المناعة والالتهاب، والمحافظة على سلامة بطانة الأمعاء، وإنتاج مركّبات قد تؤثر في أعضاء أخرى من الجسم.

وقد ربطت الأبحاث بين اضطراب الميكروبيوم وبين عدد من الحالات الصحية، من بينها السكري وأمراض القلب وبعض الاضطرابات العصبية والنفسية ومرض الكلى المزمن. وتُعرف العلاقة المتبادلة بين الأمعاء والكلى باسم محور الأمعاء والكلى. [1] [8] [9]

بقلم الدكتور مجد إسرب

رسم توضيحي للأمعاء والكليتين والميكروبيوم المعوي

ما المقصود باختلال توازن الميكروبيوم؟

تعيش معظم الكائنات الدقيقة الموجودة في الأمعاء في توازن مع الجسم، ويسهم كثير منها في الحفاظ على الصحة. لكن تركيب هذا المجتمع ووظائفه قد يتغيران، فتنخفض بعض الأنواع النافعة أو تزداد أنواع أخرى بصورة غير متوازنة. ويُسمّى ذلك اختلال توازن الميكروبيوم المعوي أو الديسبيوسيس.

قد يرتبط هذا الاختلال بضعف الحاجز المعوي، وزيادة الالتهاب، وتغيّر طريقة استقلاب بعض العناصر الغذائية. وفي المقابل، يمكن لمرض الكلى المزمن نفسه أن يغيّر بيئة الأمعاء. لذلك فالعلاقة ليست في اتجاه واحد؛ إذ قد يؤثر اضطراب الأمعاء في الكلى، كما قد يؤثر تراجع وظائف الكلى في الأمعاء والميكروبيوم. [4] [7] [8]

كيف يؤثر محور الأمعاء والكلى في مرض الكلى المزمن؟

عندما تتراجع وظائف الكلى، تتراكم في الدم مركّبات كان من المفترض أن تطرحها الكلى. تنتقل كمية من اليوريا إلى الأمعاء، حيث تحوّلها البكتيريا إلى نواتج قد تغيّر درجة الحموضة وتؤثر في تركيب الميكروبيوم وسلامة بطانة الأمعاء.

وفي الوقت نفسه، تستطيع بعض بكتيريا القولون تحويل مكوّنات غذائية، ولا سيما نواتج استقلاب الأحماض الأمينية، إلى مركّبات تتحول لاحقًا إلى سموم يوريمية، مثل كبريتات الإندوكسيل وكبريتات بارا-كريسيل. وقد ترتبط هذه المركّبات بالإجهاد التأكسدي والالتهاب ومضاعفات مرض الكلى المزمن. [3] [4] [9]

وبهذا قد تنشأ حلقة متبادلة:

  • يؤدي تراجع وظائف الكلى إلى تغيّر بيئة الأمعاء والميكروبيوم.
  • قد يضعف اضطراب الميكروبيوم الحاجز المعوي ويزيد مرور بعض النواتج البكتيرية إلى الدورة الدموية.
  • يمكن للالتهاب والسموم المتولدة في الأمعاء أن تزيد العبء الواقع على الكلى والجهاز القلبي الوعائي.

من منظور الطب التكاملي، يتيح فهم هذه الحلقة الاهتمام بالغذاء ووظيفة الأمعاء والحاجز المعوي معًا، ضمن خطة متكاملة لصحة الكلى. ويبدأ ذلك بخطوات عملية: تغذية الميكروبات النافعة، وتحسين انتظام الإخراج، وتقليل العوامل التي تزيد الالتهاب.

الألياف والميكروبيوم الصحي

تعتمد أنواع كثيرة من البكتيريا النافعة على الألياف القابلة للتخمّر الموجودة في الأغذية النباتية. وتشمل البريبايوتيك مكوّنات غذائية تستخدمها كائنات دقيقة نافعة بصورة انتقائية وتمنح الجسم فائدة صحية.

عندما تخمّر البكتيريا النافعة الألياف، تنتج أحماضًا دهنية قصيرة السلسلة، مثل البيوتيرات. تساعد هذه المركّبات على تغذية خلايا القولون، ودعم الحاجز المعوي، والمساهمة في تنظيم الالتهاب. [2] [5] [7]

وقد تساعد زيادة الألياف ضمن خطة غذائية مناسبة على:

  • دعم تنوع الميكروبيوم ووظائفه.
  • تحسين انتظام حركة الأمعاء وتقليل الإمساك.
  • زيادة طرح بعض الفضلات والنيتروجين مع البراز.
  • تقليل اعتماد بعض بكتيريا القولون على تخمير البروتينات، وهي عملية قد تنتج عنها مركّبات تتحول إلى سموم يوريمية.

تشمل مصادر الألياف الحبوب الكاملة والبقول والخضروات والفواكه والمكسرات والبذور. لكن الاختيار والكمية يجب أن يُفصّلا بحسب مرحلة مرض الكلى ونتائج التحاليل، ولا سيما مستويات البوتاسيوم والفوسفور، إضافة إلى السكري والأدوية والحالة الهضمية.

خطوات عملية لدعم صحة الأمعاء والكلى

١. نوّع مصادر الألياف النباتية

لا تعتمد على نوع واحد من الطعام. حاول، بحسب ما تسمح به حالتك الصحية، تناول مجموعة متنوعة من الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة والبقول والمكسرات والبذور. يساعد التنوع الغذائي على توفير أنواع مختلفة من الألياف والمركّبات النباتية النافعة.

لا يحتاج كل مريض بالكلى إلى تجنّب الأغذية النباتية الغنية بالبوتاسيوم أو الفوسفور. تُحدّد الحاجة إلى التقييد وفق نتائج التحاليل، ومرحلة المرض، والأدوية، وطريقة تحضير الطعام، وإجمالي النمط الغذائي.

٢. قلّل الأغذية فائقة التصنيع

غالبًا ما تكون الأغذية فائقة التصنيع فقيرة بالألياف وغنية بالصوديوم والسكريات المضافة والمضافات المحتوية على الفوسفور. وقد يدعم تقليلها صحة الأمعاء ويساعد في ضبط ضغط الدم وسكر الدم وتوازن المعادن.

٣. اختر أطعمة مخمّرة مناسبة لك

يمكن أن تضيف الأطعمة المخمّرة تنوعًا إلى الغذاء. اختر مثلًا اللبن أو الزبادي غير المحلّى المصنوع من حليب مبستر، والمحتوي على مزارع حية، إذا كان مناسبًا لاحتياجاتك الغذائية. راعِ حجم الحصة ومحتواها من البوتاسيوم والفوسفور؛ واختر الأصناف الأقل صوديومًا عند تناول الخضروات المخمّرة.

وجود التخمير وحده لا يجعل المنتج بروبيوتيك مثبت الفائدة؛ اقرأ الملصق لمعرفة المزارع الحية والسكريات المضافة والصوديوم. وللسلامة الغذائية، تجنّب الحليب غير المبستر، ولا سيما عند ضعف المناعة.

٤. عالج الإمساك وحافظ على كمية السوائل المناسبة لك

قد يزيد بطء حركة الأمعاء مدة تماس الفضلات مع بكتيريا القولون. لذلك من المهم الانتباه إلى الإمساك ومناقشة أسبابه وعلاجه مع الفريق الطبي.

اجعل كمية السوائل مناسبة لاحتياجاتك وخطة علاجك. عند وجود تورم أو قصور في القلب أو انخفاض شديد في إنتاج البول، ناقش الكمية المناسبة مع فريقك الطبي بدلًا من زيادة الماء تلقائيًا.

٥. اجعل اختيار البروبيوتيك فرديًا

تعتمد فائدة البروبيوتيك على السلالة والجرعة والهدف من استخدامها. وتدرس الأبحاث أيضًا السينبيوتيك، الذي يجمع البروبيوتيك والبريبايوتيك؛ وقد خفّض أحد السموم اليوريمية في تجربة «سينرجي»، بينما اختلفت الاستجابة بين المؤشرات المقاسة. لذا يُختار المكمل مع الطبيب أو اختصاصي التغذية بحسب الأعراض والحالة الصحية، مع عناية خاصة عند ضعف المناعة. [6] [9]

٦. اطلب خطة غذائية فردية

قد يكون تعديل الغذاء ونمط الحياة صعبًا، كما أن احتياجات مرضى الكلى ليست متطابقة. يستطيع اختصاصي تغذية متمرس في أمراض الكلى مساعدتك على زيادة الألياف والتنوع النباتي بطريقة تراعي البوتاسيوم والفوسفور والصوديوم والبروتين والسوائل والأدوية.

الخلاصة

يكشف محور الأمعاء والكلى أن صحة الكلى لا تعتمد على الكلى وحدها. فالميكروبيوم والحاجز المعوي والغذاء والالتهاب والسموم اليوريمية تتفاعل ضمن شبكة واحدة.

ويمكن لنمط غذائي غني بالألياف النباتية ومحدود بالأغذية فائقة التصنيع أن يدعم الميكروبيوم والصحة العامة، وقد يكون جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة لمرض الكلى المزمن. لكن تأثير الغذاء يختلف من شخص إلى آخر، ولا توجد حمية واحدة أو مكمل واحد يناسب جميع المرضى. لذلك يجب أن تُبنى الخطة الغذائية على مرحلة المرض ونتائج التحاليل والحالة الصحية لكل شخص.

تنبيه: هذه المعلومات للتثقيف فقط، ولا تُغني عن التقييم الطبي أو عن خطة غذائية فردية يضعها مختص يعرف حالتك ونتائج تحاليلك.

المراجع

  1. Cani PD, Osto M, Geurts L, Everard A. Involvement of gut microbiota in the development of low-grade inflammation and type 2 diabetes associated with obesity. Gut Microbes. 2012;3(4):279–288. https://doi.org/10.4161/gmic.19625
  2. Kieffer DA, et al. Resistant starch alters gut microbiome and metabolomic profiles concurrent with amelioration of chronic kidney disease in rats. Am J Physiol Renal Physiol. 2016;310(9):F857–F871. https://doi.org/10.1152/ajprenal.00513.2015
  3. Moraes C, et al. Trimethylamine N-Oxide From Gut Microbiota in Chronic Kidney Disease Patients: Focus on Diet. Journal of Renal Nutrition. 2015;25(6):459–465. https://doi.org/10.1053/j.jrn.2015.06.004
  4. Ramezani A, Raj DS. The Gut Microbiome, Kidney Disease, and Targeted Interventions. Journal of the American Society of Nephrology. 2014;25:657–670. https://doi.org/10.1681/ASN.2013080905
  5. Rossi M, et al. The Kidney–Gut Axis: Implications for Nutrition Care. Journal of Renal Nutrition. 2015;25(5):399–403. https://doi.org/10.1053/j.jrn.2015.01.017
  6. Rossi M, et al. Synbiotics Easing Renal Failure by Improving Gut Microbiology (SYNERGY): A Randomized Trial. Clinical Journal of the American Society of Nephrology. 2016;11:223–231. https://doi.org/10.2215/CJN.05240515
  7. Ulluwishewa D, et al. Regulation of Tight Junction Permeability by Intestinal Bacteria and Dietary Components. Journal of Nutrition. 2011;141(5):769–776. https://doi.org/10.3945/jn.110.135657
  8. Tsuji K, Uchida N, Nakanoh H, et al. The Gut–Kidney Axis in Chronic Kidney Diseases. Diagnostics (Basel). 2025;15(1):21. Published December 25, 2024. https://doi.org/10.3390/diagnostics15010021
  9. Wakino S, Hasegawa K, Tamaki M, Minato M, Inagaki T. Kidney-Gut Axis in Chronic Kidney Disease: Therapeutic Perspectives from Microbiota Modulation and Nutrition. Nutrients. 2025;17(12):1961. https://doi.org/10.3390/nu17121961